قصة آمال
آمال
للمرة الثانية أرى الأشياء مشوهة، لا كما
رأيتها أول مرة، الصور تتلاشى أمام عيني والذاكرة تتأكل، كأن كتل من جيوش النمل
زحفت إلى ذاكرتي فأصبح بها ثقوب عديدة، الملامح في الوجوه المحيطة بي لم تعد كما
رأيتها أول مرة منذ سنوات بعيدة.
ماذا حدث لي؟
أو بالأحرى ماذا حدث لهم؟
كل يوم أفتح نافذتي أطل على الشارع والبيوت
والحى الذي ألفت الحياة فيه، أجد جدران غير الجدران، وبيوت غيرالبيوت، ووجوه لم
أراها من قبل،الملامح تبدلت، أهرع نحو المرآه أتحسس ملامحي بأصابع يدي، أرى وجها
مختلفا وغريبا عني وغير مألوفا لي. على الجبهة متى نمى هذا الشارب الكث؟
متى جحظتا هاتين العينين؟ الخطوط الضعيفة أصبحت
غائرة وبها بثور عديدة، جريت مسرعا نحو دولاب الملابس: يا الله متى أصبحت بهذه الضخامة
والألوان القاتمة، جريت مسرعا رفعت سماعة الهاتف أطلب أخي الوحيد، لا صوت، لا
كلمات، لا أحد على الطرف الاخر.
ليلة أمس كنتُ في أسعد لحظات حياتي، تزوجت
أبنتي الوحيدة، وعدت إلى البيت سعيدا هانئا، لقد أتممت رسالتي كما وعدت زوجتي قبل
وفاتها بدقيقتين.
هل دقيقتين كفيلتين بأخذ العهد؟ لا أعرف
بالضبط ماذا قالت؟ كانت تتحدث بشكل سريع وصوت أمر: آمال .. آمال. تحدثت بكل ثقة
وأنا أربت على يدها القابضة على يدي: آمال في عيني.
ثم أغمضت عينيها، شهقت شهقتين صغيرتين،
أعتقدت أنها تريد ماء، ذهبت مسرعا نحو دورق الماء وأحضرت الكوب، كان كل شئ قد
أنتهى، وسكن الجسد الواهن الضعيف. رفضت زوجتي العلاج، أو الذهاب إلى المستشفى،
قالت لي بحكمة بالغة: ما فائدة طول العمر مع المرض.
شهرين فقط ورحلت، هما شهرين عاشت فيهما معنا
وتركت كل شئ، تركت كل شئ كما هو "البيت والجدران والشارع والجيران والعمل".
كانت الوجوه المحيطة بي لحظتها وجوه الأحبة
والأصدقاء بعد الدفن وعلى مدار ثلاث ساعات كاملة أمتلأ البيت بكل الوجوه التي مرت
في حياتنا.
وبعد ثلاثة ساعات أخرى بدأ الجميع ينفضون من
حولي وظللت وحيدا في حجرتي، وآمال باكية في حجرتها، بعد ثلاثة أيام أخرى أختفت الوجوه
تماما حتى صوت الموبايل لم أعد أسمعه، بعد ثلاث سنوات زفت آمال إلى زوجها بالأمس.
وها أنا ذا أقف ثانية أمام النافذة في حجرتي
المطلة على الحديقة والتي زرعتها زوجتي بيديها، أين الورد؟ أين شجرة الياسمين؟ أين
الطيور المغردة؟ أين؟ أين؟
لا أعرف بالضبط ماذا أريد؟ وعن ماذا اسأل؟
أين صاحب المبنى المواجه لي والذي كان حينما يراني أقف في النافذة يهرع إلى نافذته
ويفتحها ويطل منها ونتحدث طويلا حتى تنتهى آمال من تحضير الفطور، أطلب منه الأذن
بالدخول، وأدعوه لتناول الفطور معنا، فيضحك مثل كل مرة: دايماً عامر.
بعد الفطور أرتدي ملابسي، وأذهب إلى العمل، وبعد
ساعة واحدة، تذهب آمال إلى عملها، ونعود آخر النهار سعداء بما أنجذنا، كل منا يحكي
للآخر عن يومه وماذا حدث فيه؟ وكيفية إنجاز العمل بضمير يقظ، ودائما تقول لي
ضاحكة: إحنا بنشتغل بضمير عشان ربنا يبارك لنا.
ثلاثة أشياء مخزية حدثت ولم أفكر فيها جيدا،
أولا: الجلوس في البيت في يوم من الأيام رأيت صاحب العمل الجديد يقابلني بوجه بشوش
على غير عادته، بعدها بساعتين رأيت مدير شئون العاملين يحدثني بود على غير عادته،
في اليوم التالي جلست بين المدير ورئيس شئون العاملين وتحدثنا بود كبير وضحكنا.
في اليوم الثالث قال زميل لي في العمل: إنه
سوف يقدم استقالته ويحصل على مكافأة! في أخر الأسبوع جاء زميل أخر وقال لي نفس
الكلام، مع بداية الشهر الجديد وجدت نفسي أجلس منفردا في حجرة المكتب مع المدير
وتحدث معي ببراعة عن أهمية المكافاة وترك العمل، بعد ساعتين كاملتين تركت العمل
وجلست في البيت.
كانت زوجتي تذهب إلى العمل، وآمال إلى
الجامعة وأظل أنا حبيس البيت أجلس منفردا بين أربعة جدران.
في البداية، فتحت الراديو على إذاعة القرآن
الكريم، ثم ذهبت إلى المطبخ وفتحت الثلاجة وجلست أعد طعام الغذاء.
في الليل، ذهبت زوجتي للنوم، وآمال إلى
حجرتها، وجلست وحيدا أمام شاشة التلفاز أتابع أحداث فيلم قديم، أنتهى الفيلم
والوقت لا ينتهي.
أخذت أبحث في جميع القنوات هاربا من الوقت
والليل.
الشئ الثاني: الذي ندمت عليه، أخذت المكافأة
وأشتركت مع صديق لي في عمل ورشة صغيرة، حيث لا أنا ولا هو نفهم في شئ فيها، ولكن
جميع أخوته جاءوا للعمل معه. بعد عامين كاميلين أفلست الورشة وخسرت المكافأة.
الشئ الثالث: أصبحت زوجتي هى المسؤولة
مسئولية كاملة عن مصروف البيت، حتى السجائر كانت تحضرها معها وهى عائدة من العمل.
الشئ القمئ، الفراغ العملاق الذي وجدت نفسي
داخله أنام نهارا وأسهر ليلا باحثا عن منبع عظيم لتمضية الوقت، فقررت في ليلة
الخروج من البيت والبحث عن مخرج.
------------------------------------------------------------------------------
تعليقات
إرسال تعليق